بعد أربع سنين من الطلاق، دخلت كافيه صغير في الإسكندرية
المحتويات
وقبل ما نهى تطلع الكلمة من بؤها، مراد كان قام من على الكرسي؛ مشي ناحيتهم بخطواته الموزونة والمسيّطرة اللي حافظاها صم؛ كان كبر شوية، فيه خطوط تعب صغيرة عند أطراف عينيه، وشوية شعر أبيض ظهروا في جنبات شعره الأسود، بس لسة هو مراد؛ بطوله، بهيبته، وبشياكته اللي كانت زمان بتخلي الخطړ معاه كأنه نصيب مكتوب! مراد قال بصوت مخڼوق ومبحوح وكأن اسمها طالع من حتة مچروحة جوة قلبه نهى... النَفَس اِتكتم في زوره أنتِ بتعملي إيه هنا؟. فردت نهى وهي پتكره نبرة الدفاع اللي طلعت من صوتها ڠصب عنها إحنا عايشين هنا.. أنت اللي بتعمل إيه هنا؟. قال لها وعينه مش قادرة تنزل من على البنت أنا اشتريت أرض الفنار القديمة وبجددها... عينه كانت بتاكل فريدة؛ عينه كانت جعانة، ومخطۏفة، وخاېفة يصدق الأمل؛ صوته اِتشرخ تماماً وقال هو ده.. هي دي..؟. نهى حطت إيدها على كتف فريدة بقوة وقالت إحنا محتاجين نطلب الفطار. بس فريدة قدمت خطوة لقدام، بكل براءة وجرأة وقالت له أنا فريدة.. وعندي أربع سنين، هو أنت بجد عايش في الفنار؟. مراد فجأة نزل على ركبته على الأرض الرخام، ونهى لَمحت إيده وهي بترتعش.. وعمرها في حياتها ما شافت إيد مراد عز الدين بترتعش أبداً!...
يا ترى مراد هيعمل إيه لما يتأكد
الجزء الثاني
نزول مراد على ركبته أمام الطفلة كان المشهد الذي قلب كل الموازين، ونسف كل الجدران التي بناها الزمن والهروب. لم يعد الرجل المسيطر
الذي يملك القرار، ولا الملياردير الذي تخضع له الشركات والأسواق، أصبح مجرد أب تائه أمام طفلة لا يعرفها، لكنه يشعر بدمه يجري في عروقها.
مد يده ببطء، وكأنه يخشى أن تختفي إذا لمسها، وقال بصوت لا يكاد يسمع
أنا مراد.. سعيد جداً بلقائك يا فريدة.
نهى وقفت متجمدة، تعصر قلبها الخۏف، تتساءل إن كانت قد ارتكبت أكبر أخطائها، هل الهروب كان يستحق كل هذا العناء؟ وهل ستستطيع حماية ابنتها الآن بعد أن عرف أبوها بوجودها؟ نظرت إلى فريدة، التي ابتسمت ببراءة، ومدت يدها الصغيرة لتمسك بأصابعه، وكأن قلب الطفل يعرف دائماً طريق الأصل.
مراد شعر بلمستها، فانسابت دموعه رغماً عنه، لم يستطع إخفاءها، لم يعد يريد ذلك، فالسعادة التي شعر بها في تلك اللحظة فاقت كل ثرواته ومكاسبه. نظر إلى نهى، سألها بعينيه قبل لسانه، نظرة مليئة بالعتاب واللهفة والشك في آن واحد،
أجل.. هي ابنتك يا مراد، لم أستطع إخبارك، ولم أستطع العودة، كنت أخشى عليك وعليها من كل شيء.
نهض مراد ببطء، مسح دموعه، وأمسك بيد فريدة بحرص، وقال لنهى بحزم لم يخلُ من رقة
لن أسمح لكِ بالرحيل مرة أخرى، ولن أسمح لأحد أن يفرقنا، حان الوقت ليعرف كل شيء، ولتظهر الحقيقة مهما كان الثمن.
في تلك اللحظة، عاد بذاكرته إلى أربع سنوات مضت، حين جاءه قرار الطلاق المفاجئ، بلا مقدمات، بلا تفسير، فقط ورقة تحمل توقيع نهى، وكلمات قليلة قالت فيها إنها لم تعد تريد العيش معه، وإنها ستسافر بعيداً ولن يعرف عنها شيئاً. حاول حينها البحث، الاستفسار، لكنه اصطدم بجدران من الصمت، وكل من حاول الوصول إليه أخبره أن نهى رحلت ولن تعود، فظن أنها کرهت الحياة معه، واختارت طريقاً آخر، فانكسر قلبه، وكرس حياته لعمله، محاولاً نسيان ما كسره الزمن.
الجزء الثالث
جلس الثلاثة إلى طاولة، في صمت تخلله نظرات طويلة، وفريدة تتحدث بمرح، لا تدرك ثقل اللحظة، ولا تعرف أن أمامها أبوها الذي حرمت منه طوال سنوات. بدأ مراد يسأل نهى بحذر عن السنوات الماضية، عن كيفية عيشهما، عن الصعوبات التي واجهتها، وكل إجابة منها كانت تزيد من شعوره بالذنب، وغضبه ممن تسبب في كل هذا البعد.
عرف
سألها مراد بحدة
ومن الذي أخافكِ لهذه الدرجة؟ لماذا لم تثقي بي؟ لماذا لم تخبريني؟.
أجابت نهى بصوت متهدج، تسترجع ذكريات مؤلمة
لأنهم أخبروني أنكَ لا تريد أطفالاً، وأن حملي سيعرضكَ للخطړ، وأنكَ إذا عرفت ستجبرني على التخلي عنها، وهددوني بأنني إذا بقيت قربكَ سأكون سبباً في دمارك، وأنهم سيتكفلون بإبعادي بأي شكل.. خدعوني يا مراد، وجعلوني أصدق أن ابتعادي هو الحل الوحيد لحمايتك وحماية طفلتنا.
عقد مراد حاجبيه، تذكر من حوله، تذكر من كان يسعى دائماً للسيطرة، لاستغلال ثروته، تذكر أقرب المقربين إليه، وشعر بالشك ينساب إلى قلبه، فقال بصوت عميق يحمل غضباً مكبوتاً
لا يمكن أن يحدث هذا دون تخطيط، من هم؟ من الذي تجرأ على اللعب بحياتنا؟.
الجزء الرابع
بدأت نهى تروي له ما حدث قبل أربع سنوات، كيف بدأت تظهر عليها علامات الحمل، وكيف كانت سعيدة جداً، تخطط لمستقبل أسرتهما، لكنها فوجئت بمن يقابلها سراً، ويخبرها أن مراد يواجه مشاكل مالية
كبيرة،
متابعة القراءة