بعد أربع سنين من الطلاق، دخلت كافيه صغير في الإسكندرية مع بنتها وهي مش دريانة إن طليقها الملياردير قاعد هناك، والصدمة الكبيرة لما الطفلة شاورت وقالت مامي.. الراجل ده بيبص لنا قوي!، مكنتش تعرف إن النظرة دي هتفتح دفاتر الماضي، وتكشف السر اللي خبيته سنين، وتخلي الملياردير ينزل على ركبته قدام العيلة كلها والدموع في عينه!
نهى كانت فاكرة إنها دفنت حياتها القديمة كلها وهربت على بعد مئات الكيلومترات عشان تبدأ من جديد. وفي صباح يوم من أيام أكتوبر والمطر بينزل بغزارة، بنتها اللي عندها أربع سنين شاورت صباعها الصغير ناحية ركن بعيد في الكافيه وقالت مامي.. الراجل ده ميبطلش بحلقة فينا!. الراجل اللي كان مستخبي ورا الجرنان مكنش حد غريب؛ ده كان مراد عز الدين، طليقها الملياردير، الراجل اللي مقاطعة معاه الكلام بقالها أربع سنين بالتمام والكمال، وأبو البنت الصغيرة اللي واقفة جنبها حالا! المطر كان بيخبط براحة على إزاز كافيه الياسمين ونهى بتزق الباب الإستيل بإيد، وماسكة صوابع فريدة الصغيرة بالإيد التانية بكل قوتها. دفا المكان استقبلهم في ثانية؛ ريحة القرفة، البن المحوج، والكرواسون السخن المخبوز بالزبدة. نوع الدفا والراحة اللي بتحس إنه مكافأة في يوم ساقعة، بالذات لما تكون
جزمتك مبلولة، وحسابك في البنك على الحديدة، وطول الطريق من الشقة للكافيه وأنتِ سايقة وعاملة نفسك مش بتفكري في فاتورة الكهرباء اللي هتيجي الأسبوع الجاي! فريدة دخلت المكان كأنها داخلة قصر من قصور الحواديت؛ في سن أربع سنين، كل حاجة بيبقى ليها سحر؛ فاترينة الحلويات كنز، الكراسي الملونة كراسي ملوك، والمطر برة مش مجرد جو، ده تنين بينفخ ڼار على الإزاز! فريدة همست وهي بتبص للفاترينة وعينها بتلمع مامي.. ينفع أخد دي؟. قطعة الكرواسون بالشيكولاتة كانت بتلمع تحت الإضاءة، شكلها يفتح النفس بس تمنها غالي زيادة عن اللزوم بالنسبة لفطار يوم الثلاثاء الصبح؛ بس نهى ابتسمت برغم كل شيء وقالت طبعاً يا قلب مامي. اتعلمت تقول لفريدة آه على الحاجات الصغيرة؛ مش لأن معاها فلوس زيادة، لأ خالص، بس لأن بعد الطلاق، وبعد المرمطة والنقل، وبعد الليالي اللي فريدة كانت فيها لسة لحمة حمراء ونهى بتقعد ټعيط تحت دش الحمام عشان البنت م تسمعش صوت كسرتها.. بقى كرواسون الشيكولاتة ده بمثابة تمرد صغنن! فرحة بسيطة، وفكرة إن الفقر والضيق مش من حقهم يسرقوا ضحكة طفلة. كافيه الياسمين بقى هو الأمان والملجأ ليهم في الإسكندرية، المدينة الساحلية الهادية اللي نهى نقتها بالذات عشان تكون بعيدة عن دوشة قاهرة، بعيدة
عن صفحات الحوادث وجرايد الاقتصاد، بعيدة عن الأبراج الزجاجية اللي مكتوب عليها اسم عز الدين! على الأقل، دي كانت فاكرتها إنها بعيدة. الكافيه كان زحمة أكتر من العادي؛ اتنين لابسني جواكت مطر بيتخانقوا بالراحة على مين هياكل حتة الكيكة، وراجل عجوز بيقرأ الأخبار جنب الشباك، واتنين طلبة جامعة بيذاكروا على اللاب توب تحت لوحات البحر المرسومة. ومن ورا الكاونتر، أميمة اِبتسمت وقالت صباح الخير يا فندم.. كالعادة؟. وقبل ما نهى تنطق، فريدة شدت إيدها بقوة مامي!. فيه إيه يا حبيبتي؟. الراجل ده بيبص لنا قوي!. العيال الصغيرة بتلقط كل حاجة! نهى لفت وشها، والدم اِتحول لتلج في عروقها في ثانية؛ في طربيزة في الركن، ومستخبي نص وشه ورا الجرنان، كان قاعد مراد عز الدين! لثانية واحدة، عقل نهى رفض يصدق اللي عينها شايفاه؛ لأ.. مش هنا! مش في المدينة دي! مش
في الكافيه ده! ومش وفريدة واقفة جنبها بالجاكيت البنفسجي، وشعرها الكيرلي المبلول، ووشها البريء اللي كله فضول، وطالعة شبه السر اللي نهى ضيعت أربع سنين من عمرها عشان تحميه وتداريه عن الدنيا! مراد نزل الجرنان براحة، وعينيهم اِتقابلت؛ المكان م سكتش، مكنة الإسبريسو لسة بتطلع صوت بخار، والكراسي بتتجر على الأرض، وحد بيضحك بصوت عالي عند الشباك،
بس بالنسبة لنهى، كل الأصوات دي اِتمسحت ومفضلش غير صوت دقات قلبها وهي بټضرب زي الطبل! مراد بحلق فيها كأنه شايف شبح نزل من السماء، وفجأة عينه نزلت تحت.. وبص لفريدة! البنت الصغيرة قفشت في إيد نهى ومالت براسها، وبقت بتبص له بجرأة وفضول زي ما بتبص للقواقع والقطط في الشارع وللناس اللي وشها زعلان. ملامح مراد اتغيرت في نفس اللحظة؛ كلمة عرفها دي كانت قليلة قوي على اللي حصل لوشه؛ الون هرب من بشرته تماماً، وعينه بقت تروح من نهى لفريدة، ومن فريدة لنهى وعقله العبقري، نفس العقل اللي بنى إمبراطورية تكنولوجية وسياحية بمليارات من ولا حاجة، بدأ يحسبها بسرعة الصاروخ؛ أربع سنين.. الطلاق.. التواريخ.. السكوت المفاجئ.. والِاحتمال اللي مكنش في البال! الجرنان فلت من إيده ووقع على الأرض بصوت قرمشة خفيفة، بس الصوت ده في ودن نهى كان كأنه كاس كريستال غالي اتفشخ مېت حتة! غريزة نهى الأولى كانت إنها تجري؛ تقفش فريدة من إيدها، وتخرج من الكافيه، وتسيب الإسكندرية كلها، وتفضل تسايق لحد ما البحر يختفي من المراية؛ بس فريدة كانت بتبص لها باستغراب وفضول، ونهى كانت واعدة نفسها من سنين إنها عمرها ما هتبني حياة بنتها على الخۏف والهروب. فريدة سألت بصوت واضح وقوي مامي.. هو أنتِ تعرفي عمو ده؟.