أول حاجة شفتها وأنا داخلة الشارع كان أبويا، واقف على المصطبة القديمة
عينها ضيقت، كانت مستنية زعيق، عياط، اتهامات.. أي حاجة تمسكها عليا وتقول بعدين لقرايبنا شفتوا فاطمة بتكره الخير لأختها إزاي وتعمل مشاكل؟.
سبتهم وطلعت السلم الخشب، مشيت صباعي على الباب أبقوا دهنوا الخشب ده بمادة عازلة، الناحية الشرقية هنا بتشرب رطوبة في الشتا.
أبويا كشر وإنتي عرفتِ منين؟
كنت بدرس المكان كويس.
دخلت جوة، ريحة البيت كانت ميكس بين الجاز وملمع الخشب والتراب القديم. أمي كانت بتلف بيا في الأوض كأنها ملكة بتفرّج الخدامة على قصرها، وميرفت بتشاور على الصالة الكبيرة وبتقول إنها هتعملها قعدة عربي وصالون لصحباتها، مع إنها مقرتش جورنال من خمس سنين! وأبويا صوته عالي وهو بيتباهى تاني بالدفع الكاش. خالتو قربت مني وهمست في ودني إنتي كويسة يا بنتي؟، ضغطت على إيدها من غير ما أرد.
أصل أنا لو اتكلمت.. هفرقع من الضحك!
هما ما يعرفوش إني قبل شهر كامل، شفت ميرفت وهي خارجة من معاينة الفيلا دي مع سمسار بابا.
ما يعرفوش إني رجعت شقتي ليلتها وأنا بترعش من الغضب، بس فتحت اللاب توب بتاعي، وغيرت الخطة كلها في ثانية..
وما يعرفوش إن فيلا الراوي مكنتش البيت الأثري الوحيد اللي معروض للبيع في الشارع ده.. اللعبة الحقيقية لسة مبدأتش، والل صدمة عمرهم هتشوفوها في اللي جاي!
تفتكروا فاطمة ناوية على إيه؟ والبيت التاني اللي في الشارع هيقلب الترابيزة عليهم إزاي؟ الحكاية لسة بتسخن!
قبل ما أمشي من الفيلا يومها،
كل الناس كانت فاكرة إني مكسورة.
وأبويا كان مبسوط إنه أخيراً علمني درس.
وميرفت كانت ماشية في البيت كأنها كسبت بطولة العالم.
وأمي بتوزع الشربات على الجيران.
وأنا؟
كنت هادية بشكل خضهم أكتر من أي عياط.
لأن الحقيقة إن المعركة اللي كانوا فاكرين إنهم كسبوها كانت خلصانة من شهر كامل.
ليلة ما شفت ميرفت خارجة من معاينة الفيلا مع السمسار، رجعت بيتي وأنا فعلاً منهارة.
قعدت على الكنبة ساعات.
عيطت.
واتكسرت.
واتوجعت.
لكن بعد شوية حصل شيء غريب.
سألت نفسي سؤال بسيط
لو أخدوا البيت... هل أخدوا حلمي؟
والإجابة كانت لأ.
الحلم عمره ما كان جدران.
الحلم كان الإحساس.
كان المكان اللي أعيش فيه وأنا مرتاحة.
المكان اللي يشبهني.
المكان اللي أكون فيه أنا.
وساعتها بدأت أدور.
في نفس الشارع كان فيه بيت تاني.
أقدم.
وأكبر.
ومستخبي ورا سور عالي وشجر ضخم.
ناس قليلة كانت تعرفه.
بيت قديم جداً كان مملوك لعيلة أرستقراطية زمان.
وكان معروض للبيع من سنين بسبب نزاعات ورثة.
الناس كلها كانت شايفة فيلا الراوي.
لكن أنا شفت البيت التاني.
قضيت أسابيع أدرس أوراقه.
وأكلم المحامين.
وأراجع التراخيص.
وأشوف إمكانية ترميمه.
وفي النهاية...
اشتريته.
باسمي.
من غير ما أقول لحد.
حتى أقرب الناس ليا.
بعد شهرين.
وصلت دعوات صغيرة لكل أفراد العيلة.
الدعوة كانت مختصرة جداً
يسعدني دعوتكم لافتتاح منزلي
بس.
لا عنوان.
لا تفاصيل.
مجرد موقع إلكتروني صغير فيه عنوان المكان.
طبعاً الفضول أكلهم.
خصوصاً ميرفت.
يوم الافتتاح.
العيلة كلها وصلت.
وأول ما العربيات وقفت قدام البوابة الحديد الضخمة...
الصدمة ضربت الكل.
ميرفت نزلت من العربية أول واحدة.
وبعدين وقفت فجأة.
أبويا نزل بعدها.
وسكت.
وأمي فتحت بقها ومقدرتش تتكلم.
لأن البيت اللي قدامهم كان أكبر من فيلا الراوي بمرتين.
حديقة واسعة.
أشجار عمرها عشرات السنين.
مكتبة خشب أصلية.
سلم رخامي.
ونوافذ زجاج معشق نادرة.
تحفة معمارية كاملة.
لكن الأهم من كل ده...
إنه كان بيشبهني.
فعلاً بيشبهني.
دخلوا جوة.
وكل خطوة كانوا بياخدوها كانت بتكسر الصورة اللي رسموها عني طول عمرهم.
أيوة.
أنا ما اتجوزتش.
لكن بنيت حياة كاملة.
أيوة.
ما عنديش أولاد.
لكن عندي إنجازات.
وأبحاث.
واحترام.
واسم.
وحياة أنا اللي صنعتها.
من غير ما أعيش على حساب حد.
في وسط الجولة.
أبويا وقف في المكتبة.
كان باصص للرفوف.
ساكت.
لأول مرة من سنين طويلة.
ساكت.
وبعدين قال
البيت ده... أحسن من فيلا الراوي.
ضحكت.
وقلت
عارفة.
ميرفت كان وشها متغير.
مش من الغيرة.
من الصدمة.
لأنها لأول مرة تفهم حاجة مهمة.
هي كانت طول عمرها بتنافسني على حاجة أنا أصلاً مش بلعب لعبتها.
بعد الغدا.
الناس بدأت تمشي.
وقبل ما يخرجوا.
وقفت قدامهم كلهم.
وقلت
أنا عايزة أقول حاجة.
الكل سكت.
بصيت لأبويا.
ثم لأمي.
ثم
وقلت بهدوء
أنا زعلت منكم جداً يوم فيلا الراوي.
ملامحهم اتجمدت.
لكن كملت
مش عشان البيت.
لكن عشانكم كنتوا عارفين معناه عندي.
الصمت نزل على المكان.
أنا كنت محتاجة منكم فرحة ليا مرة واحدة... مش أكتر.
أمي نزلت عينها للأرض.
وأبويا لأول مرة مقدرش يبصلي.
بعدها بأيام.
أبويا اتصل بيا.
أول مرة يتصل من نفسه من غير مناسبة.
قعدنا نتكلم ساعتين.
ومن يومها بدأ شيء يتغير.
مش فجأة.
مش بمعجزة.
لكن خطوة خطوة.
بدأ يسمعني.
فعلاً يسمعني.
مش يسمع كلامي بس.
أما ميرفت.
ففي يوم من الأيام جاتلي لوحدها.
قعدت في الجنينة.
وشربنا قهوة.
وبعد ساعة كاملة من الكلام.
قالت جملة عمري ما توقعت أسمعها منها
أنا كنت بغير منك.
بصيت لها مستغربة.
فضحكت.
وقالت
طول عمري كنت فاكرة إنهم بيحبوني أكتر.
بس الحقيقة إنهم كانوا بيشوفوني أضعف... فكانوا بيجروا عليا أكتر.
وسكتت.
ثم قالت
أما إنتِ... فكانوا فاكرين إنك مش محتاجة حد.
الجملة دي شرحت سنين كاملة.
بعد سنة.
كنت قاعدة في الجرن الشتوي اللي حلمت بيه طول عمري.
مش في فيلا الراوي.
في بيتي أنا.
قدامي قهوة.
وجنبي اللابتوب.
وبكتب أول رواية.
زي ما كنت بحلم وأنا عندي تسع سنين.
وفجأة فهمت حاجة.
لو أهلي ما اشتروش فيلا الراوي وقتها...
كان ممكن أفضل طول عمري متعلقة بحلم صغير.
لكن اللي عملوه خلاني أبص أبعد.
وأكبر.
وأحسن.
مش لأنهم كانوا صح.
لكن لأن الحياة أحياناً بتفتح باباً أكبر بعد ما
بصيت من الشباك على الجنينة.
وابتسمت.
لأن في النهاية...
ميرفت خدت البيت اللي أنا كنت بحبه.
أما أنا...
فخدت الحياة اللي كنت أستحقها.
تمت.