أول حاجة شفتها وأنا داخلة الشارع كان أبويا، واقف على المصطبة القديمة

لمحة نيوز

أول حاجة شفتها وأنا داخلة الشارع كان أبويا، واقف على المصطبة القديمة بتاعة بيت أحلامي، بيطوح في إيده ميدالية مفاتيح نحاس وهو بيتبسم بانتصار كأنه لسة راجع من حرب كسبانها. ومن وراه كانت أمي رافعة كاس شربات بتبصلي بفخر، وأختي ميرفت واقفة على الباب ضحكتها مالية وشها. وعلى الباب الخشب بتاع الفيلا القديمة الكلاسيك اللي في أول شارع المشتلالبيت اللي كنت بعشقه وبموت فيه من لما كان عندي تسع سنينكانتمتعلقة يافطة بيضا كبيرة مكتوب عليها بحروف دهبي تلمع مبارك المنزل الجديد لعائلة الحاج شاكر.
لمدة تلات ثواني كاملة، النَفَس اتقطع من صدري، مش عشان اشتروا بيت جديد، لأ.. عشان اشتروا البيت ده بالذات! فيلا الراوي.. التحفة المعمارية اللي بتلات أدوار وشبابيكها الخشب الشيش الكحلي، وبرجها الإيطالي القديم، والجراند الشتوي اللي كنت دايماً بتخيل نفسي قاعدة فيه بكتب أول رواية ليا. البيت ده اللي كنت برجع من المدرسة وأنا عيلة صغيرة أمشي من جنبه وأقول لنفسي بكرة يكبر كومي وأشتريه وأعيش فيه. البيت اللي شقيت وحوشت عشانه قرش على قرش طول سنين الماجستير والدكتوراه، وشيفتات الليل والسهر، والعيشة في شقق إيجار ضيقة مفيهاش غير عفش مستعمل وصوت مواسير بيقرقض في النفوخ.
أهلي كانوا عارفين.. طول عمرهم عارفين!
قبلها بتلات شهور، لما لافته للبيع اتعلقت على الفيلا، قعدت ع الرصيف في عربيتي وعيطت من كتر الفرحة. أختي ميرفت شافتني وقتها وسألتني

مالك، وعلى نيتي حكيت لها المحبة، قلت لها فيلا الراوي أخيراً معروضة للبيع، وأنا بحوش عشانها من عشر سنين، وكلمت السمسار خلاص. ودلوقتي.. واقفة هي على عتبة البيت ده بعباية استقبال غالية من بتوع العرايس، وبتبصلي كأنها سحبت الأكسجين كله من الهوا اللي حواليا.
فاطمة! أخيراً جيتي، خطوة عزيزة يا حبيبتي. ميرفت ندهت عليا بصوت عالي وهي بتتميل.
أنا فاطمة شاكر، عندي ستة وتلاتين سنة، والنهارده أهلي قرروا يدفنوا أكبر حلم في حياتي قدام المنطقة كلها.
أبويا، الحاج شاكر، راجل المعاشات اللي كان مدير بنك، نزل السلم بالابتسامة البايخة اللي بيترسم بيها كل ما يحس إنه بيلويني أو بيديني درس. هو من نوعية الرجالة اللي بيسموا القسوة والتحكّم عقلانية ومصلحة. حدف المفاتيح لفوق ولقفها في إيده وهو بيقول
مفاجأة مش كده؟ كتبنا العقد الصبح والفلوس اتدفعت كاش.
أمي، الحجة نادية، وقفت جنبه والغوايش الدهب بترن في إيدها
ما تقفيش مكانك كده يا بنتي، ادخلي شوفي بيوت العز الحقيقية بتبقى عاملة إزاي.
بيت عز حقيقي.. دي كانت أول طعنة.
والتانية جت لما ميرفت مالت براسها وقالت بلؤم
إحنا صراحة قلنا البيت ده كبير قوي على واحدة لسة متجوزتش وقاعدة بطولها.
أهي ظهرت.. النغمة القديمة الميتة! النغمة اللي كانوا بيعزفوها في كل لمة عيلة، وكل عيد، وكل مناسبة يرموا فيها كلام مسموم.
فاطمة طموحة زيادة عن اللزوم.. فاطمة مستقلة.. فاطمة ضيعت عشريناتها في الشهادات
والدراسة وسابت الجواز.. فاطمة مش وش بيت وعيال.. فاطمة فاكرة نفسها أحسن مننا عشان معاها دكتوراه ومكتب في مركز بحوث الأورام في القاهرة.
كنت واقفة على الرصيف وشنطتي على كتفي، ببص لتفاصيل البيت اللي حافظاها صم من الصور؛ البلكونة الواسعة، الشبابيك الأركان، حتى شجر الياسمين اللي كنت ناوية أرجعه يزهق تاني. أبويا كان بيراقب وشي كأنه مستني دموعي تنزل.
يالله يا بنتي ما تبقيش دراما بقى، البيت معروض في السوق وكان طبيعي يتباع لأي حد.
لأي حد برضه يا بابا؟
ميرفت ضحكت بصوت واطي يا بابا خليك دغري معاها.
أمي بصلتها بحدة عشان تسكت، بس ميرفت عمرها ما كانت بتعرف تسيب السكينة في اللحم من غير ما تقلبها.
بصي يا فاطمة، إحنا عرفنا إنك ناوية تدخلي في المزاد وتدفعي مقدم، فخلصنا بسرعة، كاش وخالص، أصل الفلوس لما بتبقى جاهزة بتخلص كل حاجة من غير لف ودوران وشغل تقسيط.
الكسرة كانت حامية لدرجة إني كنت هضحك! لأن الموضوع مكنش مجرد بيت، الموضوع كان تصفية حسابات مع كل عشاء عيلة ميرفت تعلن فيه عن مصيف أو حاجة جديدة فأهلي يسقفوا لها، في حين إن جايزتي البحثية في الطب ماتاخدش غير هزة راس مجاملة. الموضوع كان عن أبويا لما سمى شهادة الدكتوراه بتاعتي لوحة غالية ملهاش لازمة ع الحيطة، وعن أمي وهي بتقول لقرايبنا إن ميرفت جابت لها أحفاد يشرفوا، إنما فاطمة بتجيب أخبار عن الشغل. كانوا بيعاملوني كأني ضيفة غريبة في العيلة اللي اتولدت فيها، ودلوقتي،
وقدام الجيران، كانوا عاوزين يشوفوني وأنا بنهار.
لمحت العربيات راكنة على الرصيف؛ عربية خالتي، وعربية ابن عمي أحمد، وكام حد من الجيران اللي عشت عمري أسلم عليهم وأنا بحلم بالبيت ده في سرّي. عاملين حفلة مباركة.. على حطام حلمي!
أمي قربت ومسكت معصم إيدي جامد اضحكي وافردي وشك، الناس بتتفرج علينا.
صوابعها كانت ساقعة ومتبتة، سحبت إيدي منها براحة، وفي اللحظة دي أبويا قرب مني وقال الجملة اللي عمري ما هساها طول ما فيا نَفَس
يمكن دي المرة اللي تتعلمي فيها إن مش كل حاجة نفسك فيها تبقي تستاهليها!
الكل سكت، حتى ميرفت بربشت بعينها بصدمة من قسوة الكلمة.
طول سنين عمري عودت نفسي ما أردش؛ لا في العزومات لما أمي تمدح في مطبخ ميرفت الجديد وتسألني لو شقتي الإيجار لسة مواسيرها بتنقط، ولا في الأعياد لما بابا يدي ميرفت غويشة دهب من ريحة ستي ويديني أنا كتاب تنمية بشرية عن تنظيم الوقت، ولا حتى في حفلة تخرجي لما قعدوا تلت ساعة يتكلموا عن إنترفيو حضانة ابن ميرفت الصغير!
بس المرة دي؟ ده مكنش مجرد غل عادي، ده كان تخطيط وترصد.
بصيت لإيد أبويا، للمفاتيح وللميدالية النحاس اللي عليها حرف الراوي الأصلي بتاع زمان، وساعتها.. ابتسمت.. ابتسمت بجد. مش عشان أنا طيبة أو سامحت، لأ.. عشان فهمت حاجة هما لسة ما يعرفوهاش.. هما مكسرونيش، هما بس كشفوا ورقهم كله وبانوا على حقيقتهم.
ميرفت استغربت بتضحكي على إيه؟
مفيش يا حبيبتي، البيت مبروك عليكم،
جميل ما شاء الله.
أمي
 

تم نسخ الرابط