مرات ابني رمت تورتة عيد ميلادي
المحتويات
قلب الڼار الوالعة! الجلد بدأ يطلع دخان أسود وريحة شياط في ثانية؛ شاهيناز صړخت صړخة فزعت كلب الجيران في الشارع وزعقت شنطتي! أنتِ اتجننتِ؟! مصطفى.. شوف أمك عملت إيه!. ابني جِري عليا وعينه فيها غل وعصبية كأن التورتة المرمية في الأرض دي كانت هوا والشنطة اللي في الڼار هي المصېبة اللي تستاهل المندبة أنتِ عملتِ إيه يا أمي؟! أنتِ عارفة دي بتمن كام؟!. بصيت في عينه من غير ما صوتي يعلى مليم وقلت له أوبس.. معلش يا حبيبي اِتزحلقت من إيدي!. السكوت اللي نزل على الحوش المرة دي كان غريب؛ مكنش سكوت كسوف، كان سكوت عيلة بتفهم حالا إن الست الغلبانة اللي في البيت بطلت تبلع الإهانات وتسميها طيبة ومحبة! شاهيناز قعدت تولول جنب الشواية وتعمل بإيدها كأن الدموع هترجع الجلد اللي ساح، ومصطفى بيهددني إنه هيخصم تمنها قرش قرش، وأختي كريمة حاطة إيدها على بؤها وعينها بتلمع بفرحة، وجارتي أم أحمد باصة لي بنظرة الست اللي شافت حد بياخد حق كل أم بيتقال لها اكتمي واِستحملي عيالك؛ كفاية بقا! لأول مرة من سنين، حسيت بكرامتي وقفت وطولت قبل جسمي ما يتحرك؛ بس الشنطة المحروقة دي مكنتش أوسخ حاجة في القصة، لأ خالص.. الألعن والأنيل حصل تاني يوم الصبح، لما فتحت حسابي في البنك و شفت أرقام خلت صوابعي تتلج في عز الصيف المكتوم!
يا ترى فادية شافت إيه في حساب البنك وصدمها وصدم الكل، وإيه المستندات والعقود اللي مصطفى وشاهيناز مضوا عليها من وراها عشان يرموها في الشارع، وإزاي الست الغلبانة دي هتقلب الطاولة وتقعدهم على البلاطة؟ السر اللي جاي هيفضح اللعبة كلها!
الجزء الثاني
وقفت فادية أمام
شاشة الهاتف،
يدها ترتجف رغماً
عنها، والدم يتجمد في عروقها بينما تقرأ الأرقام المكتوبة بوضوح قاټل. الرصيد الذي جمعته طوال أربعين عاماً من العمل الشاق، ومن بيع المحاصيل، ومن ادخار كل قرش كان يفيض من قوتها، قد تبخر تقريباً. ما كان يفترض أن يكون مبلغاً يكفيها لسنوات تقاعد هانئة، ويضمن لها سكناً وراحة، لم يتبقَ منه سوى مبلغ زهيد لا يكاد يذكر.
بدأت تتصفح كشف الحساب، سطراً بسطر، وتاريخاً بتاريخ، لتكتشف الصدمة تلو الأخرى؛ عمليات سحب متتالية، تحويلات مالية إلى حسابات غير معروفة، ومدفوعات لعقود لم توقعها، ولم تسمع بها من قبل. كل عملية تحمل توقيعاً يبدو مطابقاً لتوقيعها، لكنها تعرف يقيناً أنها لم تضع يدها على أي ورقة من هذا القبيل. تذكرت فترات مرضها، وأيام تعبها، عندما كان مصطفى يتولى أمورها المالية بحجة تخفيف العناء عنها، ويطلب منها التوقيع على أوراق قائلاً إنها مجرد إجراءات روتينية لضمان معاشها، فكانت تثق به وتوقع دون تدقيق،
جلست على حافة السرير، الهاتف لا يزال في يدها، وعقلها يعيد المشاهد الأخيرة، تورتة عيد ميلادها المرمية، وشنطة شاهيناز المحترقة، وټهديد ابنها بأنه سيخصم ثمنها من مالها، لتدرك أن الټهديد لم يكن مجرد كلام، بل كان يعلم تماماً أنه يملك سلطة التصرف في مدخراتها كما يشاء. سمعت صوت خطواتهما تقترب من باب غرفتها، فأغلقت الهاتف بسرعة، ومسحت أثر الصدمة من وجهها، عازمة ألا تظهر ضعفها أمامهما، وأن تعد العدة لمواجهة قادمة ستكون مصيرية.
دخل مصطفى يتبعه شاهيناز، وعلى وجهيهما نظرة استهزاء لم يخفياها، وقال مصطفى بصوت جاف
صباح الخير يا أمي.. أتمنى تكوني فكرتي كويس، وتعرفي إن ما حدث أمس لا يمكن أن يمر هكذا، وعليكِ تعويض ما أتلفتيه فوراً.
نظرت إليه فادية بثبات، وقالت بصوت هادئ يحمل غضباً مكبوتاً
لقد فكرت جيداً يا بني.. وفهمت أشياء كثيرة ظننتها مستحيلة، لكنها أصبحت حقيقة ماثلة أمامي الآن.
تساءلت شاهيناز بلهجة ماكرة
وما هي هذه الأشياء يا خالتي؟ هل وجدتي حلاً لتعويض خسارتنا؟.
أجابتها فادية بنظرة حادة
وجدت أنكم لم تكتفوا بإهانتي، بل تجاوزتم ذلك إلى سړقة تعبت عمري كله، واستغلال ثقتي لأسلبوني حتى آخر قرش أملكه.. ووجدت أيضاً أنكم استعددتم لأخذ بيتي أيضاً، لتخرجوني
تغير لون وجه مصطفى، وبدأت ملامح الارتباك تظهر عليه، بينما حاولت شاهيناز إخفاء توترها وراء قناع البرود، وقالت
يا لها من اټهامات باطلة.. نحن أبناؤك، وكيف لنا أن نفعل بكِ هذا؟ إنها مجرد أوهام شاخت مع التقدم في السن.
لكن فادية لم تعد تسمح لخداعهما أن يستمر، وقالت بحزم
الأوهام تزول أمام الحقائق يا ابنة الناس.. وسأثبت لكم أنني لم أنسَ كيف أدير أموري، وأن هذه الستة والستين عاماً علمتني ما لم تتعلموه في حياتكم كلها.
الجزء الثالث
لم تضيع فادية وقتاً، وبمجرد أن خرجا من غرفتها، بدأت تجمع ما تحتاجه من أوراق قديمة، عقود ملكية، إيصالات، ودفاتر حسابات، وتتصل بمحامٍ عريق، كان صديقاً لزوجها الراحل، وتثق به تمام الثقة. شرحت له ما اكتشفته، وما تعرضت له، وطلبت منه المساعدة لاستعادة حقوقها، وڤضح كل ما فعله ابنها وزوجته.
استجاب المحامي لندائها فوراً، وأخبرها أن ما حدث يعد چريمة يعاقب عليها القانون، وأن الأدلة التي جمعتها كافية لبدء الإجراءات، واسترداد الأموال، وإبطال أي عقود تم تزويرها، أو توقيعها تحت تأثير الغش والخداع. بدأ يعمل معها بجدية، يجمع المزيد من الأدلة، ويستدعي الشهود، ويكشف تفاصيل المؤامرة التي حيكت حولها
ببراعة، استغلالاً لثقتها
وطيب قلبها.
خلال الأيام التالية،
مصطفى التهرب من
متابعة القراءة